منظمة التجديد الطلابي تبارك للطلاب والطالبات وعموم الشعب المغربي حلول السنة الهجرية الجديدة 1438، أدخلها الله عليكم باليمن والإيمان والخير والبركات، وبمزيد من التفوق والنجاح.         سلسلة "وهم الإلحاد"..الجزء الثاني             ذ. العدوني يكتب: التجديد الطلابي، سابع المؤتمرات بسبع تحولات !             سلسلة "وهم الإلحاد"..الجزء الأول             هذه أسماء أعضاء اللجنة التنفيذية الجديدة لمنظمة التجديد الطلابي             عاجل.. "أحمد الحارثي" رئيسا جديدا لمنظمة التجديد الطلابي خلفا للعدوني             ذ. العدوني : المؤتمر محطة تصديق لما نؤمن به من ديموقراطية داخلية             تصريح "زينب السدراتي" المشرفة على القافلة الطبية الوطنية بمنطقة الجرف             جينيريك.. قافلة الوفاء الطبية الوطنية لمنطقة الجرف            على هامش المنتدى            

"بن صالح" يكتب حول "القافلة التواصلية للجنة التنفيذية للمنظمة"


أضف المقال إلى :
yahoo Facebook yahoo Twitter Myspace delicious Live Google

أضيف في 11 دجنبر 2016 الساعة 27 : 00


الأحوال المَرقية في الرحلة الجنوبية


بقلم: عدنان بن صالح - عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة

 

انطلقت القافلة التواصلية الثانية معمِّقة البُعد اللاحم للأخوة والمعنى الضامِّ للرسالة التي تجمعنا، حاملة طلائع الرواحل إلى الوسط والشرق والجنوب والشمال، لِتَصِلَ الأخلاف بالأوائل، ولتغرس قيمَ الأخوَّة والتَّراحم والفاعلية والتواصل، وتوزّع أثمن الهدايا؛ الفكرة والمشروع وتنهيج العقول وتصويب المعادلة النضالية والدعوية والفكرية والثقافية لكتلة اﻹصلاح البواسل..  شعارها حي على العمل الفاعل. 

والآن؛ مع قافلة الجنوب: مراكش، أكادير، كلميم:

الجمعة 2 دجنبر 2016م:

لم تكن الشّمس قد أطلَّت بَعْدُ، وتَباشير النَّهار بالكاد آخذةٌ تَزحف من الأفق الشّرْقي، وقليلٌ من الضّوء بدأ يتسلّل عبر ثغرات النَّوافذ، ويَدلف الدّروب والأزقّة في احتشام، عندما كنتُ وصديقيَّ "مصطفى" و"مروان" نغادر تراب تطوان صوب رباط الفتح، عاصمة البلاد .

كثيرٌ مِن الكلامٌ حول مواضيع بالجملة، وإنصاتٌ عميق لمعاني عبارات النَّصر والفداء والبطولة في أناشيد المقاومة الفلسطينية المجيدة وبعض الأمداح النبوية، يجعلان الطَّريق تبدو لي على غير طولها المعهود.. أو هكذا يبدو على الأقل !، وصلنا، دلفنا المقر، وفي بِضع سويعات كنّا نفترقُ فريقين: 

فريق رحلة الوسَط، وفريق رحلة الجنوب، وعند شارع محمد الخامس بــ (تمارة) ولّى الجَمعانِ الظَّهر لبعضِهما، وانطلقت السيارتان تُجدّدِانِ الوَصل مع خريطة المغرب هنا وهناك. 

يَلُفُّ الصّمت صديقي "مصطفى" وإيّايَ؛ وتُحولِق العينان ترصُّداً لمدخل (عين بُرجة – مولاي رشيد)، حيثُ كانَ بانتظارنا الظّريف "عبد اللَّطيف"، وأبَتِ الدّار البيضاء الممتدّة امتداد الطريق السيَّار أنْ تُبين لنا عن المدخل، وأصَّرَت على إتلاف وقتنا والتيهانِ بنا في إخاطةِ الأزقة والدّروب بحتاً عن (مَدار المستقبل) حيثُ الـملتقى المتّفَق عليه مع "عبد اللطيف" بعد الضياع الأخير.. ولا أحبَّ إليَّ في البيضاء مِن الحيّ المحمدي يا سادة !

أَرْخَى اللَّيلُ الشّـتوي أستاره علينا ونحن نمخُر بدابّتنا الحديدية الطريق إلى مراكش الحمراء، نُناوِل بعضنا حُـفَناً مِن البُندق والفُستق وحبّات الفول السوداني، ونُرخِي الأسماع لــ "أميمة خليل" و"عبد الرحمن محمّد" و"فيروز" إذْ تُحلِّق بصوتها راحِلة على أجنة الشّوق إلى أرض الميعاد، منشِدة للحبّ والسلام في وطن البطولة والسلام.. لا نومَ الليل ولا صَحوَ غدا؛ استماتةٌ مِن أجل إبصارٍ جماعي للطريق، وشَوقٌ عارِمٌ للقاء الصَّادقين والصَّادقات يُوقِعُ بوسوسات النوم أقسى الهزائم !

وأخيراً.. ها هي ذي مراكش؛ معالمها اللَّيلة على غير ما تُعبِّر عنه نهاراً، استقبَلنا الطَّلبة تمام الثانية عشرة ليلاً بمنزلٍ حِيطَ بنخيل وفاكهة ورمّان، واقْــتَعَدَ بمائدته الكبيرة المنضودة وسط الدار (طاجين) مغربي أصيل، مُخضَرُّ الجنبات مُلحَّمُ الـمَتن، محفوف بخُبزٍ عَلته الطراوة..وحوله قضينا دقائق من الدّفء الأخوي والامتلاء الأمعائي الـمُنسِي لبرودة الطّقس المراكشي. 

استَودَعْنا الشَّباب، وأقْفلنا مواصلين السَّفر والسّهر إلى مدينة (أولاد تايمة) مرفوقين بعنصر رابع إنه "صلاح الدِّين عياش"، الذي أصرَّ على أنْ لا نُواصل المسير إلى الوجهة المقصودة إلا بعد أن ننال قِسطا من النوم بمنزل والده الكريم، فطاوَعناه وما كان لنا إذّاك من خيار ولا بَديل.. فصلّينا الفجر؛ واستسلمنا لنومٍ مميت. 

السَّبت 03 دجنبر 2016م:

تمام الثَّامنة مِن صباح السّبت السعيد، وبعد فطور شهيّ مختلط بنقاش إيديولوجي؛ ضمّتنا الطريق مِن جديد رفقة الخلّان الكرام،  نأخُذ بالانشداد إلى الآيات البيِّنات بصوت "فارس عَبّاد" طُــرّاً، وننجرُّ إلى أحاديث السِّياسة والثَّـقافة والجامعة طُرّأً آخر، والسَّيارة تستحصد البسيطة منطلقة صوب الوجهة كأنها مأمورة، تمتدُّ الأعين وتلتَذُّ الأنفُس بمباهج الضَّيعات العريضة والجبال العنيدة والمجاري والوديان التليدة، حيث ترتخي (أولاد تايمة) متمدّدة كأنما لا انتهاء لها، و(آيت ملّول) تُجاريها و(تاسلا) على منوالها، وواد يوسف بن تاشفين يستمدُّ عظمته من قائد دولة المرابطين، جارياً منسرحاً يربط الماضي بالحاضر.. حتى إذا ما ناخ بنا "مصطفى" بمدينة (تزنيت) الهادئة، اهتبَلنا الاستراحة باحتساء أباريق الشّايْ التي أعْيانا طلابها مُذ غادرنا الرباط وما جاورها. 

أثْناء المسير عَبْرَ (وادي ماسة) انهمرت السَّماء باكية، ومارت الأرض مَورا، فاستَعْجَلَنا الخوف مِن انحرافاتِ السّيارات، إلا أنّ الاسطاعات والعَزمات كانت أصْلَب وحِفظُ الله أرْحَب، فخُضنا المسار تحت المطر مستأنسين إلى بعض مَرويات "تغزوان" حول (زاكورة) وأهلها الطّيبين، وساعة فساعة يسترِقُ "مصطفى" صُوراً لنا وللطبيعة البديعة. 

كَمُلت السَّفرةُ مَشقّة وعذاباً؛ بأنْ ارتفعنا مَدارجَ ومعارِجَ في جبال (أولاد جرّار) و(آيت الرخا) و(لخصاص) و(سنتيت)، تسلُّقاً عَبْرَ (فَجّ كني مْغارن)، حيثُ تُزاحمكَ الشاحنات الـمُثقَلة بما لا يُرى للناظرين، وتطْلَع في قَرن الجبل حافلات النقل العمومي مَهيبةً مُخيفةً الوافد الجديد في الطريق العنيد، والتّعانُف الطُّرُقي سيد الموقف، ولا يُخبّبُ المناظر الخلّابة إلا الغُبار الـمتصاعد بوتائر تعمي البصائر وتُمانِع أمامنا حتى لتكاد السيارة تَجنحُ أسْفَل سافلين.. ولكنَّ الله سلَّمَ؛ وانْحَدَرنا إلى (بْويز كارن) التي يُوحي اسمها انتماءها إلى إحدى مدن ولاية (تكساس)، إلا أنَّ  المارَّ بها يُشارف واقع المغرب العميق، حيثُ التلاميذ ذوي الوجه الأنْمش يقطعون الأميال للوصول إلى حجرات الدّرس، والقُحولة عنوان الطبيعة، والتَّضاريس القاسية تنتصب شامخة مذكّرةً بَعض المارّة الجُدُد ببعض مَن مرُّوا مِن هنا أيام الكفاح الوطني ضدّ الاستعمار الإسباني، والمعارك الضارية لجيش تحرير الجنوب المغربي إبان زمن العزّة والصلابة والرجولة!

ألتفتُ إلى "صلاح الدّين" وقلت: "يا عياش هات هات من أخبار قَطْعك لهته المفاوز مرات ومرات"، فيبتسم مِلءَ فيه ويُطمئنني أنه لم يتبقَّ إلا القليل، ويحاول "عبد اللَّطيف" مُداراتِنا بمناولتنا بعض قِطع الحلوى التي اقتناها من "إسطنبول"، وإطلاق العناء لبعض المعزوفات الوجدانية والموشّحات الأندلسية التي لا زلتُ إزاءها مُصابا بشعور التأذّي لحدّ اللحظة.. لقد آذاني تغزوان غفر له الرحمن!

عصر ذات اليوم وَلَجَتْ سيارتنا في إعياءٍ بائنٍ عليها وعلينا باب الصحراء، (كلميم) الوقورة، مستقبِلا إيّانا الصديق الحميم "عصام الرجواني" عند مقر الجهة، وقد أفرَغ علينا من مُلتاعِ أشواقه وضامِرِ محبّته ما أخْجلنا وأسْعَدنا، وكادت العواطف تتعالَق والأرواح تقع في إِسَار سيطرة اللَّحظة وتؤوي بنا إلى رُكن بيت الصديق.. لكن ذلك لم يحصُل.

هناك؛ بدربٍ صحراوي عتيق، في مقر متواضع، تحقّق أخيراً موعدُ اللقاء مع الإخوة والأخوات الذين اصطبروا على انتظارنا حتّى مَلَّ مِن صَبْرِهم الصّبرُ. استجال النِّـقاش متنقّلًا بين موضوع وآخر، قضية وأخرى، مُنصهِراً في معاني الأخوة والتَّلاحم والكفاح مِن أجل الدّعوة والمعرفة والإصلاح، وتوالدت عن الحديث أسئلة وأجوبة، ورأي وآخر، ولولا الوقت الضيّق لاستمر الكلام الشيّق لا أوَّلِــية له ولا آخِرِية. وانضاف إلى جلال الأخلاق في ذي الجّلة مِن الشَّباب مع جمال الاستقبال عالَـــنَــتْــهُ الموائد والفوائد، والشَّاي الـمُعتَّقُ في كؤوس قَـزَمية ظلَّ الشَّاب الكريم ساقِيَ القوم يُعدّها لنا طوال وقت الاجتماع، وإني لأرمُـقُه يُقلِّبُ الكأس في الكأس ويُعيد الــمُفْرَغ من الشاي في إبريقه، ثمَّ يصبُّه صَبّاً يُصدِر موسيقى تُفقِد المرء التركيز، ويُكثِّفُ (الكَشكوشة) أعالِيَ الأكواب، متوسِّلاً بصَبْرٍ لا يُؤتاه إلا أهل الصحراء.. فارتشفنا شاياً تمتزج فيه البداوة بالحضارة، يَعْلَق في اللِّسان ويَــنفذ في الوجدان ويُوقِظَ الأجفان الــمُغْذِية السّير ليلا في غَول الطّريق. شَكَرنا لهم وَكيدَ المودّة وطيّب اللَّحظات التي اقتسموها معنا، وتحسَّرنا وإياهم على بُعْد الديار التي تُعَثِّر مُعاوَدَة زيارة الأخيار أمثالهم. 

أسْلَمَنا التّعب لنوم لا طعم له؛ اللّهم كونه استراحة محارِب، وتَداعت السيارة مع الطريق تطويه ليلاً في اتجاه (أكادير)، وأنا عبثاً أحاول الاتكاء على الكتِف الــمُكتَنِز اللّين لــ "صلاح الدين"، فتتأبى الوضعية استقامةً والنومَة حضوراً، ومع تواصل هطول الأمطار، وتباعد الديار، وفَجْأَةِ الأخطار في الطَّريق المعوجّة الملتوية الحابلة بالحصى والأحجار؛ استسلمنا للأقدار وظللنا مُسَمَّرِي الأعين مفتوحيها على الظّلام، ومُرْخينَ الآذان بتناوُمٍ للتّنــغيم المنبعث مِن ذبذبات راديو السيارة. 

دخلنا أكادير الكبير مستبشرين، متطلّعين للقاء من نوع آخر، لا سيما وثلاثتُنا قليلو المجيء إلى الفرع العريق؛ وقد وجدنا في انتظارنا أخوات وإخوانا متجلّدين بصبرٍ استثنائي، تضمّهم قاعة فسيحة يذهب الريح السّموم البارد فيها ويجيء، ولا يُدفأ الأجواء إلا الفكرة والمشروع وحرارة الاستمرار في العطاء وروابط الأخوّة الواشِجة.. نعم؛ وجَدْانهم مُـتَمَتْرِسين خلف صمود آسر، فوَسَطوا بنا جَمْعاً وأَثَرْنا بهم نَقْعاً، وانساح الكلام تلو الكلام تَوغُّلاً في مساحات المواضيع المتّفَق عليها للتأطير، ونأياً بالأسئلة تارةً بعيداً صوب تفريعات المسألة الوطنية، ورهانات النهوض العلمي وإشكالات التنظيم الجامعي، والأدوار المطلوبة من شباب كتلة الإصلاح، وتحدّي الحفاظ على الاستمرارية الثقافية الطّردية للمشروع..إلخ؛ وكم كانت مُنعِشةً فيوضات الوعي الشبابي والحماس الطلابي من النَّـبْت الجديد بالفرع العتيد، وكم حلّقنا من ساعات بعيداً عن تزاويق الحديث الباهت والنقاش الخافت وشَنْشَنة الشكايات والمشاكل التنظيمية. وقد كانوا أحِـقّاء بتلك اللحظات الطيبة وأهْلَها، وكُنا سُعداء بوجودنا معهم، وخاصة بمستوى الحسّ الفَكِهِ لدى أكثَرِهم.. وقد اهتَبلتُ فُرصة كلمة "عياش" فذهبتُ لاحتساء عصير وقطعة حلوى أتاني بها أحد الإخوة، قَمعتُ بها الجوع الذي كان قد بلغ مني حدَّ الإنهاك. وما غادرنا المكان في الثالثة ليلاً حتى ارتوت الأنفس بحُسْن الفعال، وحضر اليقين والشك زال !، لقد كانت – بحقّ – ليلة من ذلكم الطّراز، وُضِّحت فيها الأفكار، وتشقّقت فنون البيان، واتّسعت اللُّغة وتمكّنت مِن الأداء، وجُعِلت لدلالات النقاش رشاقة ورصانة حتى غدا لكأنّه البنيان يشدُّ بعضه بعــضا.  

الأحد 4 دجنبر 2016م:

بعد ساعتين ونصف مِن النوم انطلقنا مرة أخرى في اتجاه عاصمة المرابطين، مُتعة النّقاش الباكر المتوزّع حول الدنيا والسياسة والدِّين تُزاحِم ترسُّبات الدَّيْن النَّومي، ومَقامات "محمد الصدّيق المنشاوي" تفيض بواردات مِن أسباب الوصال والجلال.. ثمَّ؛ قرّرنا أنْ نؤجّل الحديث إلى حين، فقد نامَ "صلاح" واستفزّ "ابن صالح"، فألْقى معاذيره فنام واستراح !

تمام العاشرة مِن ذات اليوم تناولنا فطورنا المتواضع بحيَّ النّخيل في مراكش الجميلة. آه مراكش؛ مدينة مَنيعة ذات شساعة كبيرة، بها أزقّة عديدة ملتوية يصعبُ أن تنفذَ منها إلى وجهتك لازدحامها بالحشود، وأغلب منازلها بسيطة فسيحة ومنخفضة أرضاً، ويوجد بالمدينة عدد كبير مِن المساجد مبنية بالرّخام ومُقبَّبة بفاخِر الألواح، توجد بوسط المدينة رَدّاتٌ واسعة مُقبّبة يمكث فيها التّجار وبائعو الملابس المستعمَلة، وليس ثمّة أيُّ نَهْــر يخترق المدينة، إلا أنّها مليئة بالمجاري المائية والقنوات القابعة في بطن الأرض، حيث تجري فيها مياهٌ تنصاب بوفرة من مَصبّ جبال الأطلس، وتتوزّع عبْر قنوات لإيصالها إلى الحدائق والسقايات كأشبه ما تكون بنظام التوزيع المائي (سكوندو) بمدينة تطوان المحروسة. وبمراكش كذلك ضريح الأمير المجاهد يوسف بن تاشفين وقبور الأشراف السعديين وعرصة مولاي عبد السلام ومحميات طبيعية بديعة، والمنارة ومَنزه باحماد وقصر البديع الشامخ، وتتوسّط المدينة ساحة جامع الفنا؛ القلب النابض للحمراء، والتي تَعُوج وتَمُوج بالحلقيات واللّصوص والباعة المتجوّلين والسَّحرة ومُرقِّصو القِرَدة والأفاعي والمشعوِذات قارئات الأكفّ، وناقشات الحنّاء الآتيات بمُلَح الحكايا والنّكات، ومخفر للشّرطة وسوق تقليدية ومواقِف للأحصنة قائدة العربات السياحية. كما يُلاحَظُ بالمدينة وجود الدّرجات الهوائية والنّارية بوفرة تسوقها النّساء والطالبات كما الرجال والشبّاب، وبالقرب مِن الساحة تنتصبُ في إخباتٍ وجلال صومعة مسجد الكُـتبية الدالّة على عُلُو كعب المغاربة القُدامى في مجال الفنّ المعماري والعمارة الإسلامية والهندسة البنائية، ودلالة قوية على تألُّق الإسلام زَمنَذٍ ورِفعة المسلمين، وقد تُصادِف في رُكن من المدينة من بين سُكانها مَن له باعٌ طويل بلعبة الشّطرنج ومعرفة بأسرارها. وإني لأجِدُ مذاق (الشّفنج) وإبريق الشاي الـمُعشَوشب بقطعة الحامض الذي كان عُدَّة فطورنا ذاك الصباح؛ أجدها في بُلعومي إلى يومي هذا !

وإخوة مراكش كما هُم، قد يُبَدِّل الجميع إلّا هُم، صادقين، قابضين على جمْـر الأخوّة الحقّة في زمنٍ أُودِعَت فيه المعاني الخالصة والوفاء للأخلّاء في ثّلاجاتٍ من أحجامٍ شتّى .. !

قضينا ما شاء الله مِن وقتٍ في إطار ما انْـتَدَبْنَا أنفُسنا إليه، وتراكَبت الأسئلة بعضها فوقَ بعضٍ، وحاولنا قدْر المستطاع تَمضيةَ الجواب في الحيّز المخصّص، مُرفقين معاً الباقي من فائض النقاش لإعمال نزعة طلب التّعميق فيه في فضاءات أخرى وتعاوناً مع فضلاء آخرين. خُتِم اللقاء وجُمِعت الصُّحف، وانتَشَرنا نحن الأربعة في مدينة مراكش بحْثاً عن السيد الرئيس، وهناك وجدناه.. متأمِّلاً في حوادِث مَضت، وأجيالاً قَضت، ومِحَنٍ وصعوبات.. مُستَذْكرِاً قُبالة الحي الجامعي وقائع ذات فواجع، وقواصمَ ما كان لها من غير الله عاصِم. انضممنا إليه في التَّاريخ والرّاهن، وتنهّدنا مِن الأعماق، مُوثِّقين حياتنا التي فُزنا بها مِن جديد في ذاك اليوم العصيب بصورة تذكارية أمام باب الحي الجامعي وكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية؛ ثمَّ انصرفنا منها إلى جامع الفنا، مروراً بالمدينة القديمة، وختم الإخوان بكؤوس عصير الرّمان، ولا أدري لمَ وقع الاختيار عليه؛ اللهمَّ إن كانوا إنّما يستردّون بعضَ دمائهم الــمُسالة في ربيع 2009 هناك !

وما أنْ حَلَّ آذان المغرب حتى وارَيْـنا مراكشَ الثَّرى، نجدّد الوصل تارة أخرى مع (مغرب الحافلات) بتعبير عبد الله العروي، قاطعين مئات الأميال حامدين الله على ما إليه هدى ووفّق وحفِظَ وسدّد، وتركت جسدي يتهالك فوق الكرسي المتوعِّكِ، وذاكرتي تركض خلف صورٍ كثيرة ومعاني جليلة وفرحٍ مَشوبٍ بقَلَقِ الشّك في الوصول في حالِكِ الظُّــلَمِ ومُدْلَهمِّ الأجواء الطّقسية. ثمَّ نستيقظ بين الفينة والأخرى لنتذاكر كلّما ركضت بنا الذّاكرة إلى أحداث الرِّحلة الجنوبية وأشْرَعَتْ في الانفلات. أما "رشيد" فقد غادرنا إلى السَّماء الخامسة غارقاً في نومٍ لا يَلوي معه على شيء. 

في (الدّار البيضاء) أَوْدَعنا "عبد اللّطيف" واستودعناه، واعتذرنا منه وسامَحناه، ومنها إلى (سلا) التي سَلا القلب عنها، هناك أعَدْنا الرئيس إلى حضن أسرته، وافترقنا شاكرين له طِيب الحديث وجميل المذاكرة.

وانتهت الرِّحلة الجنوبية بِرَكن السيارة بالمحاذاة من شارع باتريس لومومبا في الرباط، كما بَدأنا؛ عُدنا، آوينَ إلى المقر، منتظرينَ آخِرَ الجائلين اللّحاق بنا، لِـيُقِــلَّنا صُعُداً إلى شمال المغرب، تطوان العامرة.

 06-12-2016



10878

0




 هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

اضغط هنـا للكتابة بالعربية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



المؤامرة على جغرافية الأنبياء-عدنان بن صالح

هِمَمُ الشّباب ودورها في صِناعة التغيير

الإحسان

طلع الصباح.. فأطفئوا المصباح

فرع تطوان يعقد دورته التربوية الثانية

جمالية مشهدي الركوع والسجود في الصلاة

جمالية الافتتاح والاستفتاح في الصلاة / محمد حقي

جمالية مقامي التعظيم والخضوع في أذكار الركوع والسجود

موازين: ذلك المهرجان الغول 2/2

على سبيل الانبعاث..

"بن صالح" يكتب حول "القافلة التواصلية للجنة التنفيذية للمنظمة"